الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

النص بروح التمرد في “نيروز” عبدالله البطاشي


قراءة نقدية للناقدة المسرحية  : عزة القصابية - جريدة الوطن 20  - 4 - 2014

كثر الجدل حول الأصالة والمعاصرة في المسرح العربي، وتكالبت جهود المهتمين لتوظيف التراث والتاريخ في الفنون والآداب من أجل صنع فرجة مسرحية ذات هوية عربية ، وكان ذلك إيذانا بظهور “المسرح الشعبي” في إطار الرمز والاستعارة المعبرة عن وجدان الأمة في ماضيها وحاضرها. وهذا المسرح يجمع الكثير من المجالات السياسية والموروثات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، والتقاليد والعقائد والشعائر، وكل ما يترسب في اللاوعي الجمعي على شكل أساطير وقصص.
وتحظى الفنون الشعبية العمانية باهتمام بالغ من قبل الجهات الراعية للتراث والموروث الشعبي الشفهي والموسيقي والراقص . فهناك تراث شعبي حافل بالأغاني والرقصات الشعبية تقليدية التي تشكل ظواهر شعبية يمكن تقديمها في المسرح ، والذي يعكس ثقافة الشعب العماني وعاداته وتقاليده الأصيلة الموروثة عن الأجداد والتاريخ، بما فيه من أحداث وملاحم بطولية.
ومن المسرحيات التي وظفت التراث الشعبي العماني مسرحية “النيروز” للكاتب عبدالله البطاشي والتي قدمت خلال فعاليات مهرجان المسرح العماني الخامس بمحافظة البريمي . ويعتبر فن “النيروز” من الفنون الشعبية التي تمارس في سلطنة عمان وتحديدا في ولاية قريات.. أما مراسم هذا الطقس فتتمثل في خروج الصيادين من منازلهم في فصل الصيف إلى المزارع والواحات …وأثناء العودة فإنهم يدقون الطبول وينشدون الأناشيد المفرحة، حيث يؤدي الرجال حركات راقصة، وخلفهم النساء والأطفال يلوحون بأغصان خضراء دلالة على فصل الخصب والربيع ، و يرافقهم الرجال الذين يرتدون ملابس لحيوانات خرافية غريبة الشكل والبنية الجسدية .
ومنذ المشاهد الأولى للعرض المسرحي، لم يستطع الكاتب أن يفصل الطبيعة عن واقع الشخصيات التي التحمت بالطقس الشعبي، حيث يمكن أن نستمع إلى أهازيج النيروز الممزوجة بصوت الطبيعية ” الرياح، حفيف أوراق الأشجار” مع صرخة الطفل الأولى لطفلة جمعان.. وظل ذلك الصوت عالقا بأذهان الجمهور ، منسجما مع الأصوات المنبعثة من زوايا الصالة.
أما على مستوى الحركة على الخشبة فقد ظهرت حركة الممثلين على مستويات متعددة، حيث تحركت جموع الأهالي من الريف إلى البحر والعكس….ويمكن مشاهدتهم وهم يمضون محتفلين من الريف “المزارع” متوجهين إلى الساحل في موسم القيظ “الصيف”، كما تحدث حركة عكسية في الشتاء، إذ يتجهون من الساحل إلى المزارع…وهكذا في توال مستمر.
كما تشكلت ” رؤية بصرية جمالية” من خلال منظر جمالي بفعل ظهور “الدمبوشات” التي رسمها خيال المؤلف وجسدها المخرج؛ وهي عبارة عن ملابس لأشكال الحيوانات غير معروفة كان يرتديها رجلان على هيئة حيوان ..و يمكن مشاهدتهما وهما يتراقصان على إيقاع الطبول، و يقومان بحركات بهلوانية بشكل عشوائي وهم في حالة ذهول…ويمكن مشاهدة حركة المجاميع التي تتحرك، وتنتفض وكأن الأرض تتحرك وتكاد تنشق مما يوحي بسريالية المشهد الطقسي القائم على الأداء والحركة .
أما بالنسبة لشخصيات هذا العرض فقد شكلت اتجاهات متضادة في تحريك الفعل، فعلت الصراع بينها ودفعته للامام . ويمكن مشاهدة شخصية “نبهان” وهي شخصية نمطية “الأهبل” تكررت في المسرحيات الخليجية . ويظهر في هذا العرض وهو يتمايل على إيقاع الطبول مع الحيوانات الخرافية والمجاميع على الخشبة، والذين ينتفضون ويعبرون عن ذواتهم بطريقة غريبة تتقارب مع شخصية المهرج في مسرح شكسبير ، فهو يدعي الهبل ويضحك الآخرين ، بينما غاشم يصطنع البلاهة :
” المجنون: الأعشاش فارغة .. النسر أكل الطيور الصغيرة منها والكبيرة!!…غاشم: لقد أعطيتك ما كنت قد طلبته.. ما الذي عاد بك مجددا !..!!…غاشم: هل هي لعبة من تلك التي قد لعبناها قديما.. يا عميلنا المنتهية صلاحيته ؟!! المجنون: حنينها للصياح المؤبد.. لصوتها الذي لا يختفي إلا بعد أن تضحك الشمس ”
وهناك انتقالات سريعة على مستوى الحدث ومرور الزمن على مستوى عمر الشخصيات، وتغير مواقفها وحدوث تحول في شخصياتها ، مما جعلها تتقرب من اللقطات السينمائية السريعة ..ويمكن ملاحظة مضي الزمن بعد الصرخة الأولى لولادة “نورة” والتي امتزجت مع دقات طقوس النيروز..وفي مشاهدة متقدمة يمكن مشاهدة نورة وقد أصبحت فتاة شابة تقف أمام الشجرة وبجانبها والدها بعد أن كبر في العمر: “نورة : رائحة الموت بدأت من هنا يا أبي …..جمعان: وهنا قد انتهت !!…نورة: بل هي مستمرة ..ما زلت أرى أشلاء الذكريات تتقافز كالجراد في يوم قائظ ..كل شيء هنا محكوم بما يأول إليه مسار الظلم والجبروت ….. ”
ومن جانب آخر، فقد برزت شخصية “غاشم” كشخصية “ديكتاريورية” ظالمة تمارس العنف على الآخرين: ” غاشم : لا أخفيك يا مستشارنا العزيز ..فلقد سئمت من هذا الروتين الذي بدى لي وكأنه حصان عجوز هرم ..أليس لديك ديباجة جديدة ندشنها في الأيام المقبلة ؟….الأعرج : خيانة ؟غاشم: أقوى !!…الأعرج : قتل ؟ !!…غاشم : فعلناها كثيرا ومازلنا ”
وهكذا استمرت ملحمة الصراع بين الخير والشر بين المغتصب والشعب و الغريب والأهالي والفلاحين وغاشم” الزعيم ا” ….حتى بدأ العرض ينتصر لقيم الخير مع “رياح النيروز” الموسمية التي بدأت تهب :
“غاشم: اليوم قد قيل بأن العواميد التي صنعتها بيدي قد بدأت تتهاوى.. وهذه الجثة ربما أولها.. لقد أزف النيروز برياحه وبهجته وجاءت معه بشارة القوة ..مرحى يا صغيري وسندي الأزلي !!وهكذا يشرك غاشم النيروز ….ذلك الطقس الربيعي في ملحمة جبروته العاتية …والتي بدت تتساقط ثكلى ”
ولقد تشرب النص بروح التمرد الساعية للانقلاب والتمرد على غاشم وأتباعه ، ويبدأ صوت الشعب يتعالى ، حتى ينتصر الحق على الباطل في نهاية العرض، عندما يهجم جمعان على نبهان و يطعنه بصرخات نوره.. فيه مندفعا ليدفع بـ غاشم جانبا بعد أن يصدمه بقوة كبيرة ويأخذ نوره ليحميها بجسده با كيا .
كما تتكشف شخصية “نبهان” حيث يتضح أنه عميل لغاشم ورجاله كالآتي: “نبهان: هل تذكر عندما وضعت يدك في يدنا.. وكان دافعك هو الطموح للسباحة في برك الأموال ؟!!…غاشم: وأعطيناك كل ما تريد.. وبالمقابل بأن توجد المشاكل والمنازعات مع جيرانك المقربين..”
ولعل ظهور الفاصل الاستعراضي ساعد على التشكل والانتقال السريع عبر اللوحات التعبيرية التي حدد ملامحها المؤلف، وجسدها الكورس بغية صنع فرجة مسرحية شعبية تناغمت مع إيقاع العرض في موسم “النيروز” الراقص، حيث الهجرة الموسمية لأهالي القرى من الريف والمزارع إلى الساحل في مضمون المسرحية :” الأعرج : لقد مضت الأيام عجلى وحان وقت العودة إلى الساحل يا سيدي فالربيع يدق باب الصيف طالبا الدخول !!…غاشم : سنعود إلى الساحل ثمة ..وثمة تمر الأيام ونعود مجددا إلى هنا حيث الشجر والماء العذب ..فما الذي يربكك ؟…الأعرج : همهمات سكان القرية يا سيدي مريبة ”
وتتسع دائرة الصراع في هذا العرض بين السلطة وممارسة قمعها على الآخرين، إلى صراع آخر هو حول الحب …فنشاهد الزعيم وهو يخطط للنيل من نورة، رغم أنه نال من أهلها ومن وطنها، وينتهي إلى اعتقالها : ” نبهان: لقد مرت السحب العابرة.. كثيرا من أمام شباك القمر!! وأنت لا زلت تمنعين نفسك عن الطعام والشراب….نوره: أفضل الموت على أن أكون في الأسر عبدة مذلولة..نبهان: لا أدري لماذا يعيقني والدي عن الفتك بك..)
وانبثقت عن النص دلالات ضمنية وشكلية معبرة عن الأحداث المتضمنة أكثر من معنى …مع عدم اكتفائها بالتعبير الحواري، وإصرارها على مخاطبة الرؤية البصرية، محققة رؤية جمالية وإيقاعا احتفاليا..وذلك من خلال اللوحة الاستعراضية بين نورة و المظلومين من أهالي القرية ، بينما كانت السلاسل تعوق سيرهم، ناهيك عن ضرب السياط والتنكيل بهم من خلال لوحة جسدت معاناتهم على إيقاع الطبول.
كما ساعدت الرقصات الاستعراضية في تأزم الأحداث والتحامها، وصولا إلى مرحلة الثورة ضد غاشم وأتباعه من الفلاحين قبيل الاحتفال بيوم النيروز…فمع الاحتفال كان بداية حكم الغاشم ….فالجميع سوف يقاوم الاحتلال…فيمكن أن نستمع لصوت الفلاحين :
“فلاح2: لقد ذقنا صنوف الظلام والمرارة.. ولكنه تجرعها بثقل كل هذه الجبال….الأعرج : ليستعد الجميع للاحتفال بالنيروز ..لتشدو حبال طبولكم ..وتصقلوا أخشابها وتدبغوا جلودها نريد نيروز العودة في هذا العام صاخب وجميل ”
دونما شك ، إن هذه المسرحية قد نقلت لنا صور كثيرة تمثل نضال الفلاحين ضد حكم “غاشم” من خلال صور كثيرة توالت أمام النظارة تترى : “النار، المزارع، الاقدار، الأهالي الغاضبة، اختطاف الأطفال، القتل، انتزاع أراضي المزارعين، حرق المحاصيل، الدخان، الدم، الثعابين، الموت”.
وقبيل الخاتمة تعالت أصوات الفلاحين وازداد الصراخ في الخارج…والذي لم يلبث أن يتحول إلى ثورة عارمة انتهت بالعراك بين غاشم ونبهان …. وينتهي العرض بنهاية تقليدية متوقعة..كنتيجة طبيعية للحدث على دقات الطبول ونغمات أهازيج النيروز الموسمية.
فيما ساهمت ” الإضاءة ” في رسم لوحة معبرة عن الطبيعة البكر للتعبير عن طقسية الأداء التمثيلي وصيحات المخاض . والتي تفاعلت مع المؤثرات الصوتية المنبثقة من دقات الطبول وإيقاع الاحتفال بالنيروز وصراخ الطفل …الأغاني والأهازيج الممزوجة بصوت الطبيعة، كما ساعدت دقات الطبول في رفع الايقاع والتعبير عن ظلم غاشم وأتباعه ….بينما الإضاءة كانت تزداد حدة حسب الموقف الشاخص أمام الأعيان.
كما صنع الأداء التمثيلي “لوحة سيمترية بصرية” نحتها المخرج جاسم البطاشي، والذي قام بالدور الرئيسي في المسرحية…فيما جاء أداء بقية الشخصيات متقاربا على مستوى الاداء الحركي والتمثيلي باستثناء الشخصية المحورية للعمل.
عزة القصابية
ناقدة وكاتبة مسرحية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات